محمد جمال الدين القاسمي

166

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

ومنها ؛ أن وقتها وقت ارتفاع الأعمال . ومنها ؛ الحديث المرفوع : إنّ اللّه تعالى يوحي إلى الملكين : لا تكتبا على عبدي الصائم بعد العصر سيئة . ومنها ؛ ما جاء في قوله تعالى : وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ [ العصر : 1 ] . قال مقاتل : العصر هي الصلاة الوسطى أقسم بها - حكاه ابن عطية . ومنها ؛ ما روي في الحديث ، أنّ الملائكة تصفّ كل يوم بعد العصر بكتبها في السماء الدنيا فينادى الملك : ألق تلك الصحيفة . فيقول : وعزّتك ما كتبت إلّا ما عمل . فيقول اللّه عزّ وجلّ : لم يرد به وجهي . وينادى الملك الآخر : اكتب لفلان كذا وكذا ، فيقول الملك : وعزّتك إنه لم يعمل ذلك . فيقول اللّه عزّ وجلّ : إنه نواه . ومنها ؛ أنّ وقتها وقت اشتغال الناس بتجاراتهم ومعايشهم في الغالب . وقد أفرد الكلام على تفسير هذه الآية بمؤلفات . وذكر العلّامة الفاسي - شارح ( القاموس ) - فيما نقله عنه الزبيدي ، أن الأقوال فيها أنافت على الأربعين . فرضي اللّه عن العلماء المجتهدين وأرضاهم . سنح لي وقوي بعد تمعّن - في أواخر رمضان سنة 1323 - احتمال قوله تعالى : وَالصَّلاةِ الْوُسْطى بعد قوله حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ لأن يكون إرشادا وأمرا بالمحافظة على أداء الصلاة أداء متوسطا . لا طويلا مملّا ولا قصيرا مخلّا . أي : والصلاة المتوسطة بين الطول والقصر . ويؤيده الأحاديث المروية عنه صلّى اللّه عليه وسلّم في ذلك ، قولا وفعلا . ثمّ مر بي في القاموس - في 23 ربيع الأول سنة 1324 - حكاية هذا قولا . حيث ساق في مادة ( وس ط ) الأقوال في الآية ، ومنها قوله ( أو المتوسطة بين الطول والقصر ) ؛ قال شارحه الزبيدي : وهذا القول ردّه أبو حيّان في ( البحر ) . ثم سنح لي احتمال وجه آخر : وهو أن يكون قوله وَالصَّلاةِ الْوُسْطى أريد به توصيف الصلاة المأمور بالمحافظة عليها بأنها فضلي ، أي : ذات فضل عظيم عند اللّه . فالوسطى بمعنى الفضلى من قولهم للأفضل : الأوسط . وتوسيط ( الواو ) بين الصفة والموصوف مما حققه الزمخشريّ واستدلّ له بكثير من الآيات . وفي سوق الصفة بهذا الأسلوب ، من الاعتناء بالموصوف ما لا يخفى . وأسلوب القرآن أسلوب خاص انفرد به في باب البلاغة ، لم ينفتح من أبواب عجائبه إلّا قطرة من بحر . ولعلّ